دراسة
الآية
{وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} من الجانب البلاغي:
لا تُقرأ هذه الآية بمعزل عن الآية التي
تسبقها {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}، فالتضاد والمقابلة بينهما يصنعان لوحة كونية
بديعة. إليك تحليل لأبرز الأسرار البلاغية في هذه الآية:
أولاً: من علم البيان (التصوير
الفني)
- الاستعارة المكنية (التشخيص): في قوله (تَجَلَّى)، والتجلي هو الظهور والوضوح
بعد خفاء. استعار القرآن الكريم صفة من صفات العاقل (الذي يكشف عن نفسه ويظهر
محاسنه) وأسندها إلى "النهار". هذا التشخيص يمنح النهار حيوية
وحركة، وكأنه كائن حي يزيح عن وجهه ستار الظلام ليشرق على الكون.
- المجاز العقلي: يمكن توجيه إسناد الفعل (تجلّى) إلى (النهار) على
أنه مجاز عقلي علاقته "الزمانية". فالنهار زمانٌ يقع فيه التجلي
والوضوح، فأسند الفعل إلى الزمان لتضخيم الحدث والمبالغة فيه، وكأن الزمان
نفسه هو الذي ينير ويشرق.
- الكناية: عبارة (إِذَا تَجَلَّى) كناية عن بدء السعي،
وانتشار الحركة، وانبثاق الحياة. فالنهار حين يتجلى يحمل معه معاني الانطلاق
والعمل، وهو تمهيد خفي للمقصد من السورة الذي سيأتي لاحقاً في قوله تعالى:
{إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}.
ثانياً: من علم البديع
(المحسنات اللفظية والمعنوية)
- الطباق (التضاد المزدوج): تكتسب هذه الآية جمالها البديعي الأكبر من
اقترانها بالآية السابقة {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}. نجد هنا طباقاً
مزدوجاً غاية في الروعة:
1. طباق بين (النهار)
و (الليل).
2. طباق بين (تجلّى)
بمعنى ظهر وانكشف، وبين (يغشى) بمعنى غطّى وأخفى.
هذا التضاد يُبرز المعنى ويقويه، فالأشياء
بأضدادها تتضح، وهو يصور التداول الكوني المتعاقب بدقة متناهية.
ثالثاً: من علم المعاني
(دلالات التراكيب)
- أسلوب القسم (الإنشاء غير الطلبي): تصدير الآية بالقسم يخدم غرضاً بلاغياً عظيماً،
وهو "التفخيم والتعظيم". فالله سبحانه وتعالى لا يُقسم إلا بعظيم؛
والقسم بالنهار تنبيهٌ للغافلين إلى عظمة هذه الآية الكونية المعتادة، ولفتٌ
للانتباه إلى نعمة النور والإبصار.
- دلالة الفعل الماضي (تَجَلَّى): كما أشرنا في التفكيك النحوي، فإن مجيء الفعل
بصيغة الماضي بعد (إذا) التي تدل على المستقبل، هو أسلوب بلاغي يُقصد به
"تأكيد الوقوع". أي أن تجلي النهار حقيقة كونية راسخة ومتحققة لا
محالة، فعُبِّر عنها بالماضي الذي يفيد الثبوت واليقين.
- الفاصلة القرآنية (التناغم الصوتي): خُتمت الآية بكلمة منتهية بألف لينة مقصورة
(تَجَلَّى)، لتتناغم إيقاعياً وصوتياً مع فواصل السورة كلها (يغْشَى،
الأنثَى، شتَّى، اتَّقَى، الحُسْنَى...). وهذا ما يُعرف بلاغياً بـ
"رعاية الفواصل"، وهو يضفي على النص جرساً موسيقياً عذباً يأسر
الأسماع ويسهل الحفظ.
جدول ملخص للدراسة البلاغية
|
الملمح البلاغي |
نوعه |
التوضيح والدلالة |
|
أسلوب القسم |
علم المعاني |
الإقسام بـ (النهار) لتعظيم شأن هذه الظاهرة الكونية وتنبيه العقول
لأهميتها. |
|
تَجَلَّى |
علم البيان (استعارة مكنية / تشخيص) |
إعطاء النهار صفة الكائن الحي الذي يظهر ويكشف عن نفسه، مما يضفي حيوية
وحركة على المشهد. |
|
إِذَا تَجَلَّى |
علم البيان (كناية) |
كناية عن انقشاع الظلام وبدء الحركة والنشاط وسعي الناس في الحياة. |
|
تَجَلَّى × يَغْشَى |
علم البديع (طباق) |
تضاد مع الآية السابقة، يبرز المعنى ويوضحه، ويصوّر مشهد التعاقب الكوني
بين النور والظلام. |
|
الألف في نهاية (تجلّى) |
الفاصلة القرآنية |
خلق تناغم موسيقي (جرس صوتي) يتسق مع نهايات جميع آيات السورة الكريمة. |



