دراسة الآية {وَالنَّهَارِ
إِذَا تَجَلَّى} من الجانب التفسيري
يقف المفسرون أمام فواتح
سورة الليل وقفة إجلال لهذا القسم الإلهي الذي يربط بين الظواهر الكونية الكبرى
وبين مساعي النفس البشرية. في هذه الآية، يقسم الخالق سبحانه بآية
"النهار" في حالة مخصوصة، وهي حالة "التجلي".
أولاً: المعنى الإجمالي
للآية
أقسم الله سبحانه وتعالى
بالنهار إذا ظهر بضيائه، وكشف بضوئه الساطع ما كان خفياً تحت ستار الليل، فأنار
الكون، وبدّد الظلمة، وبثّ في الأرض أسباب الحياة والنشاط والحركة لتسعى الخلائق
في أرزاقها.
ثانياً: التفسير التحليلي
لألفاظ الآية
الله جل جلاله يقسم بما يشاء
من مخلوقاته للفت انتباه البشر إلى عظمة هذا المخلوق وما فيه من نعم وإعجاز.
والنهار هو المعجزة اليومية التي تمنح الكون طاقة النور والحرارة، وهو ميدان العمل
والإبصار، ولولاه لتعطلت مصالح الحياة.
- دلالة
التقييد بـ (إِذَا تَجَلَّى):
لم يُقسم الله بالنهار على
إطلاقه، بل قيّده بحالة "التجلي" (إِذَا تَجَلَّى)؛ أي وقت ظهوره ووضوحه
التام وانكشاف الظلمة.
ثالثاً: التفسير السياقي
(الترابط الموضوعي)
لا يكتمل التفسير إلا بربط
الآية بما قبلها وما بعدها لاستخراج الحكمة القرآنية:
1.
الترابط مع ما قبلها
(التكامل الكوني):
جاءت الآية معطوفة على ما
قبلها {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}. فبعد أن أقسم الله بالليل الذي يغطي الكون
بظلامه ويجعله سكناً، أقسم بالنهار الذي يجلي هذا الظلام ويجعله معاشاً. هذا
التعاقب يثبت كمال القدرة الإلهية، فخالق النقيضين هو الله الواحد.
2.
الترابط مع المُقسَم عليه
(الغاية من القسم):
هذه الأقسام الكونية (الليل،
النهار، الذكر، الأنثى) جاءت كلها لتمهد لحقيقة كبرى تليها مباشرة، وهي قوله
تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}.
o وجه الربط: كما أن الليل والنهار
متضادان ومختلفان أشد الاختلاف (ظلام ونور، سكون وحركة)، وكما أن الذكر والأنثى
مختلفان، فكذلك أعمالكم ومساعيكم أيها البشر مختلفة ومتضادة؛ فمنكم من يسعى في
الخير والنور (كالنهار)، ومنكم من يسعى في الشر والظلام (كالليل).
رابعاً: الهدايات واللطائف
التفسيرية
- نعمة
الإبصار والبيان: في ذكر "التجلي" تذكير بنعمة البصر
والبصيرة. فكما أن النهار يجلي الأشياء المادية للعيون، فإن نور الحق يجلي
الحقائق للبصائر.
- الأمل
والتفاؤل:
تحمل الآية في طياتها لمسة نفسية عظيمة؛ فمهما طال غشيان الليل وظلمته، فإن
من سنن الله الحتمية أن يتبعه نهار يتجلى، ليبدد العتمة ويعيد دورة الحياة.
جدول ملخص للدراسة التفسيرية
|
المحور التفسيري
|
البيان والخلاصة
|
|
المعنى العام
|
قَسَمٌ إلهي بالنهار حين
يظهر نوره، وينتشر ضياؤه، ويكشف ظلام الليل، لتسعى الخلائق في مصالحها.
|
|
دلالة (تجلّى)
|
التكشف، والظهور التام،
والإضاءة التي تسمح برؤية الأشياء على حقيقتها بعد أن كانت مخفية.
|
|
المقصد من القسم
|
لفت الانتباه لعظمة الخالق
الذي يُدبر الكون، والتذكير بنعمة النور والحركة.
|
|
الربط السياقي
|
التمهيد لقوله {إِنَّ
سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}؛ فكما تختلف الظواهر الكونية (نور/ظلام)، تختلف أفعال
البشر ونهاياتهم (خير/شر).
|